الحارث المحاسبي

121

الرعاية لحقوق الله

لنفسه مكابد لهواه ، فأمّل أن ينظر إليه على تلك الحال فيرضى عنه ، فيوجب له الخلود في داره والأمن من عذابه - خفّ عليه القيام بذلك الحقّ . وإن عرض له حقّ لربه جلّ وعلا ، مما كان قد ضيّعه سترته كراهة النفس للقيام به وهوى الراحة في تركه ، فلم يعرفه في حال توبته ، فعرفه حين عرض له حمد اللّه جلّ وعزّ ، إذ فطّنه له قبل أن يموت وهو مضيّع للقيام بحق ربه جلّ وعزّ ، فيحل بذلك عليه غضبه وعقابه . وإن عرض له حق ابتلى به في آخر عمره ، ووجب عليه مما لم يكن أوجبه اللّه عزّ وجلّ عليه قبل ، فثقل على نفسه القيام به ، حض نفسه على القيام به ؛ رجاء أن يكون إنما ذخره له ، فلم يوجبه عليه إلّا في آخر عمره ؛ ليستوجب بذلك رضاء اللّه عزّ وجلّ ، وليختم له بخاتمة السعداء ، فإن نكلت النفس عن القيام به خوّفها خاتمة الشقاء بتضييعه ، وأن يكون إنما أخر لذلك ، ألم تسمع قول مطرّف : إن الحسنة أثقل ما تكون عليك وأنت تعملها ؛ فإذا فرغت منها ذهب ثقلها ويبقى سرورها . فكيف بك إذا قرأتها بين يدي اللّه عز وجلّ ، ورأيت ثوابها ؟ فتذكّر رضاء الله عنه بالقيام به ، وذكر ثوابه ، وخوف غضبه على تضييعه ، يخفّ عليه القيام به . فإذا تطهر من هذه الخلال الست بالتوبة ، فقد صحت توبته ، وساوى الذي لم يكن له صبوة في رعاية حقوق اللّه عزّ وجلّ ، فيما يستقبل من عمره ، وساوى التائب من قبله الذي لم تستصعب عليه نفسه عند التوبة ، ولم تحتج إلى طلب الخوف بالتخويف ، ولم يغمّ عليه شئ من ذنوبه ، ولم يأمن أن يكون اللّه قد أحصى عليه ما قد نسيه ، كالسحرة ، وأصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وغيرهم ممّن أتتهم منّة اللّه عزّ وجلّ ، برفع الامتحان عنهم والتكلف لطلب